مقدمة
قد يبدأ الأمر بسقوط بسيط داخل المنزل: تعثّر بسجادة، أو انزلاق في الحمّام. لكن عند كبار السن قد تكون نتيجة هذا السقوط البسيط كسرًا في عنق عظمة الفخذ، وهو من أكثر الكسور خطورة في هذه الفئة العمرية، ليس بسبب الكسر نفسه فحسب، بل بسبب ما يترتب على البقاء في الفراش من مضاعفات. يهدف هذا المقال إلى توضيح طبيعة هذا الكسر، ولماذا يُعد عامل الوقت حاسمًا في علاجه.
ما هو كسر عنق الفخذ؟ ولماذا يحدث بعد سقوط بسيط؟
عنق الفخذ هو الجزء الضيق من عظمة الفخذ الذي يصل رأس العظمة بجسمها، ويقع داخل مفصل الورك مباشرة. عند الشباب لا ينكسر هذا الجزء إلا بحوادث عالية الطاقة، أما عند كبار السن فتتغير المعادلة: تنقص كثافة العظم تدريجيًا مع التقدم في العمر فيما يُعرف بهشاشة العظام، فتصبح العظمة أقل قدرة على تحمّل الصدمات، وقد يكفي سقوط من مستوى الوقوف لحدوث الكسر. وتساهم عوامل أخرى في رفع الاحتمالية، منها ضعف العضلات واضطراب التوازن، ومشكلات النظر، وبعض الأدوية التي تسبب الدوخة، وأرضيات المنزل غير الآمنة.

تصنيف كسور أعلى عظمة الفخذ بحسب موضع الكسر: داخل المحفظة (الرأس والعنق)، وبين المدوّرين، وأسفل المدوّر. الصورة: Mikael Häggström، عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC0.
ما الأعراض التي يجب الانتباه إليها؟
يظهر الكسر عادة بألم شديد في المغبن أو أعلى الفخذ فور السقوط، مع عجز عن الوقوف أو تحميل الوزن على الطرف. وقد يلاحظ الأهل علامة وصفية مهمة: الطرف المصاب يبدو أقصر قليلًا ومدورًا نحو الخارج مقارنة بالطرف السليم. أي سقوط عند مسنّ ترافق مع ألم في الورك وعجز عن المشي يستدعي تقييمًا عاجلًا وتصويرًا شعاعيًا، وعدم محاولة "تجربة المشي" في المنزل.

صورة شعاعية أمامية للحوض تُظهر كسرًا منزاحًا في عنق الفخذ الأيسر عند سيدة في الثالثة والثمانين من العمر، مع قصر واضح في الطرف المصاب مقارنة بالجهة السليمة. الصورة: Hellerhoff، عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 4.0.
لماذا يُعد الوقت عاملًا حاسمًا؟
الخطر الأكبر في هذا الكسر ليس الألم، بل الرقاد الطويل. فبقاء المسنّ في الفراش أيامًا بانتظار العلاج يفتح الباب لمضاعفات معروفة: جلطات الأوردة والساقين والرئتين، والتهاب الرئة، وتقرحات الفراش، والتهابات المسالك البولية، وتدهور الحالة العامة والعضلات بسرعة لافتة في هذا العمر. لذلك تتفق الإرشادات العالمية على أن الجراحة ينبغي أن تتم في أقرب وقت ممكن، وغالبًا ضمن 24 إلى 48 ساعة متى سمحت الحالة الصحية العامة، لأن التثبيت أو الاستبدال المبكر يسمح للمريض بالجلوس والوقوف والمشي بمساعدة منذ اليوم الأول أو الثاني، وهو ما يقلل هذه المضاعفات بشكل واضح ويحسّن فرص استعادة المشي والاستقلالية. الجراحة هنا ليست هدفها إصلاح العظم فقط، بل إعادة المريض إلى الحركة قبل أن يسرقه الرقاد.
ما خيارات الجراحة؟
يعتمد اختيار الإجراء على موضع الكسر الدقيق (داخل المحفظة في عنق الفخذ، أو خارجها في منطقة ما بين المدوّرين) ومقدار انزياحه، وعمر المريض ونشاطه قبل الكسر، وجودة العظم. وفي الممارسة اليومية عند كبار السن تتصدّر خيارات التثبيت التالية:
- صفيحة وبرغي الورك المنزلق (DHS): الخيار الشائع لكسور ما بين المدوّرين؛ صفيحة جانبية مع برغي كبير في رأس الفخذ يسمح بانضغاط الكسر مع التحميل، ويتيح المشي المبكر بمساعدة.
- سفود غاما (المسمار النخاعي Gamma Nail): مسمار داخل النخاع يُدخل عبر شقوق صغيرة، ويُفضَّل في كسور ما بين المدوّرين غير المستقرة وكسور أسفل المدوّر، لقربه من محور تحميل الوزن.
- التثبيت الداخلي ببراغي عنق الفخذ: في كسور عنق الفخذ غير المنزاحة أو المنحشرة، تُثبَّت ببراغٍ مفرّغة عبر شقوق صغيرة مع الحفاظ على رأس الفخذ الطبيعي.
- الاستبدال النصفي أو الكلي لمفصل الورك: في كسور عنق الفخذ المنزاحة عند كبار السن، يُستبدل رأس الفخذ بطرف صناعي، وهو خيار يتيح التحميل والمشي المبكر دون انتظار التئام الكسر، ويُختار الكلي منه عند المرضى النشطين أو من لديهم خشونة سابقة في المفصل.
يبقى القرار النهائي فرديًا، يحدده الجرّاح بعد دراسة الصور الشعاعية والحالة الصحية العامة للمريض.

تثبيت كسر بصفيحة وبرغي الورك المنزلق (DHS) مع برغي إضافي مضاد للدوران، كما يظهر في المستويين الأمامي والجانبي. الصورة: Hellerhoff، عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 4.0.

صورة شعاعية تُظهر استبدالًا نصفيًا لمفصل الورك (رأسًا ثنائي القطب) في جهة، واستبدالًا كليًا للمفصل في الجهة الأخرى، عند المريضة نفسها. الصورة: Hellerhoff، عبر ويكيميديا كومنز، رخصة CC BY-SA 4.0.
بعد الجراحة: المشي المبكر هو العلاج
لا تنتهي المعالجة بانتهاء العملية؛ بل يبدأ الجزء الأهم منها. يشمل التعافي الجيد تحريكًا مبكرًا بمساعدة المعالج الفيزيائي، وتمارين تدريجية لاستعادة القوة والتوازن، وإدارة مناسبة للألم تسمح بالمشاركة في التأهيل، ووقاية من الجلطات، ومعالجة هشاشة العظام ذاتها بالأدوية وفيتامين D والكالسيوم عند الحاجة، حتى لا يتكرر الكسر في الورك الآخر. وتحتاج الأسرة إلى تهيئة المنزل: إزالة عوائق المشي، وإضاءة جيدة، ومقابض أمان في الحمّام.
هل يمكن الوقاية من هذا الكسر؟
جزء كبير من الوقاية ممكن: قياس كثافة العظم وعلاج الهشاشة عند اكتشافها، ومراجعة مستويات فيتامين D، ومراجعة الأدوية المسببة للدوخة مع الطبيب، وفحص النظر دوريًا، وممارسة تمارين التوازن وتقوية العضلات بما يناسب العمر، وتأمين المنزل ضد السقوط. كل خطوة من هذه تقلل احتمال السقوط الذي يبدأ به كل شيء.
متى تطلب الرعاية العاجلة؟
اطلب تقييمًا فوريًا عند أي سقوط لمسنّ ترافق مع ألم في الورك أو المغبن، أو عجز عن الوقوف أو تحميل الوزن، أو قصر و دوران خارجي في الطرف. ولا تؤجَّل المراجعة بحجة أن "الألم قد يخف غدًا"؛ فكل يوم تأخير يرفع كلفة العلاج على المريض.
تنبيه طبي: هذا المحتوى للتوعية العامة، ولا يغني عن الفحص أو الاستشارة الطبية المتخصصة لتقييم الحالة الفردية.